بحوث حول مسألۀ وطئ الحائض بعدانقطاع الدم و قبلَ الغُسل
 
 
 
جمال الدین حاجی محمّد
کارشناس ارشد رشته فقه و مبانی حقوق دانشگاه پیام نور مشهد
Jamal.hajimohammad@yahoo.com
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
بسم الله الرحمن الرحیم
 
نُقایۀ البحث:
إنّ البحث عن الحرمۀ و الإباحۀ فی أفعال المکلّفین من المباحث المهمّۀ فی الفقه و من أرکان الشریعۀ بحیث لو قسمنا الشریعۀ إلی الأوامر و النواهی و نعتقد أنّ النهی دالّ علی التحریم (کما هو الحقّ) لکانت الحرمۀ أحد أرکانها فلذا البحث فی المحرّمات من ضرورات المباحث و مقدّم علی البحث عن الواجبات، لأنّ الحرام یدلّ علی وجود المفسدۀ فی الشئ و الواجب یدلّ علی وجود المصلحۀ فیه و دفع المفسدۀ مقدّم علی جلب المصلحۀ فالبحث عن النواهی إذن أهمّ من البحث عن الأوامر. و من المباحث المختلف فیها عند الفقهاء، مسألۀ وطئ الحائض بعدانقطاع الدم و قبل الإغتسال، فقال  بعضهم: هو حرام حتّی اغتسلت، و قال أکثرهم: هو مباح علی کراهۀ قبل الإغتسال و بعده زالت الکراهیّۀ. فأردنا البحث عن ذلک فی هذه المقال ۀ فتصفّحنا ادلّتهم فوجدناها ثلاثۀ أقسام، قسم من الکتاب، و قسم من العقل، و قسم من الأخبار، فذکرناها مع ما یرد علیها من الإیراد و الإعتراض ثمّ ذکرنا القول الراجح و التأویل الصحیح للآیات و الأحادیث عندنا.
الکلمات المفتاحیّة:
المحیض ، حرمة الوطئ قبل الإغتسال ، جواز الوطئ قبل الإغتسال ، الغایة المشروطة .
طریقنا فی هذه المقالۀ:
إهتممنا فی هذه المقالۀ علی نقل الأقوال بلاواسطۀ من الفقهاء الّذین کتبهم مرجع لمن جاء بعدهم و أضربنا عن التکرار احترازاً عن التطویل بلافائدۀ ولأجل ذلک ترکنا النقل عن کثیر من الفقهاء المتأخّرین لمّا کان استدلالهم تکراراً لما قبلهم إلاّ الّذین جاؤوا باستدلال جدید فنقلناه لتکون هذه المقالۀ جامعۀً للفوائد رافضۀً للزوائد. إن شاءالله تعالی.
و هذا أوان الشروع:
قال  الله تبارک و تعالی:  وَ يَسْأَلُونَکَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ و َلاَتَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَکُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‌ ﴿البقرة،(222
 
البحث الأوّل فی معانی مفردات الآیۀ الکریمۀ:
 
الحیض فی اللغۀ السَیَلان و الجَریان، قال ابن فارس رحمه الله: یقال: حاضت السمُرۀ إذا خرج منها ماء أحمر، ثمّ قال: و لذلک سمّیت النفساء حائضاً تشبیهاً لدمها بذلک الماء. (مقاییس اللغة، مادۀ: حیض) إنتهی قال فخرالدین الطریحیّ رحمه الله: الحیض اجتماع الدم و به سمّی الحوض لاجتماع الماء فیه) مجمع البحرین، مادۀ: حیض(  انتهی و هو سهو منه رحمه الله ظاهر لأنّ الحوض عینه واو و الحیض عینه یاء ) و إن کان قدیتسامح فی حروف العلّۀ و لکنّه تسامح و لایجوز فی تفسیر اللغات(  و لذلک یقال: حاض یحوض) علی یفعُل بضمّ العین لصیانۀ الواو) إذا اجتمع وحاض یحیض (علی یفعل بکسرالعین لصیانۀ الیاء) إذا سال و جری، قال الشاعر:
أجالت حصاهنّ الذواریّ وحیّضت                              علیهنّ حیضات السیول الطواحم
الذواریّ الریاح و حیّضت سیّلت) .لسان العرب / مادۀ: حیض(                            
و الْمَحِيضِ فی أوّل الآیۀ مصدر و لذا فسّره تعالی بالمصدر و قال: قُلْ هُوَ أَذًى، و الْمَحِيضِ الثانی أیضاً مصدر لأنّه تکرار ماقبله و المعرفۀ إذا أعیدت معرفۀً فهی الأولی علی ماتقرّر فی العربیّۀ، و کان یجب أن یقال: فاعتزلوا النساء فیه، ولکن جیئ بالإسم الظاهر مکان الضمیر لتغلیظ هذا الأذی و تأکید الإعتزال.
و المصدر یدلّ علی الزمان إلتزاماً، إذ مامن فعل إلاّ و هو واقع فی زمان و هذا هو الفارق بین المصدر و الفعل المصطلح عند النحویین فإنّ الفعل یدلّ علی الزمان المعیّن تضمّناً و لایصغی إلی من أنکر دلالۀ الفعل علی الزمان و لیس هذا موضع ذکره.
فتقدیر الآیۀ: فاعتزلوا النساء وطأهنّ فی زمن الحیض، و لابدّ من تقدیر لفظ الوطئ لانّ الغرض من تحلیل النساء و تحریمهنّ هو الوطئ، و أیضاً لولم یقدّر لفظ الوطئ لزم الإعتزال عن معاشرتهنّ و هو منفیّ بالإجماع.
و قال المحقّق الحلّی رحمه الله فی المعتبر:  و المحیض موضع الحیض کالمَقیل و المَبیت، لأنّه قیاس اللفظ و لأنّه لونزّل علی الحیض لزم إعتزال النساء فی زمان الحیض و هو منفی بالإجماع و لأنّه یلزم منه الإضمار إذ لایتعذّر إعتزال النساء فی نفس الأمر ( و هذا الإعتزال ممنوع بالإجماع) فیفتقر إلی الإضمار و هو الزمان و لونزّلنا علی الموضع لم  یفتقرإلی الإضمار. (المعتبر/ج1/ص(224
و الجواب عن قوله: موضع الحیض لأنّه قیاس اللفظ: قلنا: إنّ المحیض فی القرآن استعمل مصدراً کما فی قوله تعالی: وَ اللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴿الطلاق‏،(4 فالأول یحمل مورد الخلاف علیه، و کونه قیاساً لایمنع من غیره و لایدلّ علی مرجوحیّته قال إبن القوطیّۀ و هو من أئمّۀ اللغۀ عند بیان أوزان المصادر و أسماء الزمان و المکان: و أمّا المعتلّۀ بالیاء فی عین الفعل فإنّما ینتهی فی مصادرها و الأسماء إلی الروایات )یعنی السماع عن العرب( لأنّهم قالوا : المَخیض) و فی شرحه لإبن القطّاع: المَحیض( و المَبیت و المَغیب و المزید و هنّ مصادر و قالوا: المَغیض مَغیض الماء و المَحیض فی الأسماء و المصادر. ثمّ قال: و من العلماء من یجیز الکسر و الفتح فیها، مصادرَ کنّ أو أسماءً فیقول: المَمال والمَمیل و المَغاب والمَغیب و فی أشباهها کذلک. (کتاب الأفعال/ص18) إنتهی
و الجواب عن الثانی :أنّا قلنا سابقاً: إنّ المراد من إعتزال النساء او تحریمهنّ هو الوطئ فلایلزم ما استلزمه.
و الجواب عن الثالث: أنّ الحمل علی الموضع أیضاً مفتقر إلی الإضمار إذ قدیکون الموضع خالیاً عن الفعل و الإسم صادق أی یصدق اسم المحیض علی الفرج مع الطُهر لأنّه موضع الحیض فیحتاج حینئذٍ إلی إضمار الزمان أی فاعتزلوا موضع الحیض من النساء زمان الحیض، و إذا کان التقدیران سواءً فی الإضمار کان تقدیرنا أولی لاستعماله فی القرآن بمعنی المصدر.
أَذًى :قال الفیّومی: أذی الرجلُ من باب تعب، وصل الیه المکروه.  (المصباح المنیر/ مادۀ: أذی) إنتهی فعلی هذا ألأذی وصول المکروه و الأذیّۀ و هی إسم منه، الشیئ المکروه، و هذا هو الفرق بین المصدر و اسمه و شرحه أنّ إسم المصدر هو إسم للمعانی المعهودۀ المعروفۀ عند العقول کالعطاء و الجرأۀ و الوضوء و المصدر إیجاد تلک المعانی فی الخارج، مثلاً العطاء إسم لهذا المعنی المعروف و إیجاده فی الخارج أعنی الإعطاء الّذی هو فعل الفاعل، مصدر.
ثمّ الأذی تارۀً یکون فی الجسم و البدن کقوله تعالی: وَ لاَجُنَاحَ عَلَيْکُمْ إِنْ کَانَ بِکُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴿النساء، 102﴾و تارۀً یکون فی الروح والطبع کقوله تعالی :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَتُبْطِلُوا صَدَقَاتِکُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذَى﴿البقرة، 264﴾و أخری فیهما کقوله تعالی: قُلْ هُوَ أَذًى، فانّ الحیض مستقذر فی الطبع و کلّ مستقذر موذٍ و الجماع فیه یضرّ الجسم و البدن، و من هنا قدیعبّر عن القذارۀ فی الشرع بالأذی کقوله علیه السلام: إذا أصاب نعل أحدکم أذیً فلیمسحها بالأرض و لیصلّ فیها، فإنّ الأرض لها طَهور. ) أحکام القرآن للجصّاص/ج2/ص20) فإنّ القذارۀ منفورۀ عند الطباع موذیۀ لها و لأجل ذلک قال الفیّومی فی قوله تعالی: قُلْ هُوَ أَذًى، أی مستقذر. (المصباح المنیر/ مادۀ : حیض(
و لمّا لم یکن للإخبار عن الحیض بأنّه أذیً فائدۀ، لظهور هذا المعنی عند کلّ أحد، حملوه علی إرادۀ معنی النجاسۀ، أی هو نجاسۀ، و هذا مراد من قال: إنّ الأذی فی الآیۀ بمعنی النجاسۀ. (فقه القرآن للراوندی/ج53/1-کنزالعرفان للسیوریّ/ج1/42).
فَاعْتَزِلُواالنِّسَاءَ: المراد من إعتزالهنّ الإبتعاد من وطئهنّ لامن أنفسهنّ فإنّ الغرض من تحلیل النساء و تحریمهنّ هو الوطئ. و قوله تعالی :فَأْتُوهُنَّ قرینۀ علی ذلک و لایشکّ أحد أنّ المراد من إتیان النساء هو الجماع.
حَتَّى :حرف الغایۀ و فی الحقیقۀ إنتهاء الغایۀ و الغایۀ بمعنی المسافۀ و لابدّ لکلّ غایۀ من المغیّی لأنّ المسافۀ هی الفصل بین شیئین فالمغیّی حکم التحریم المستفاد من النهی و الغایۀ هی الطُهر و المسافۀ إمتداد حکم التحریم من حصول الدم إلی انقطاعها، فتدلّ حتّی علی أنّ حکم النهی منتهیً به عند مجرورها و هو الطُهر. و لیعلم أنّ الغایۀ هنا مشروطۀ و لذلک لایتمّ الکلام عند الغایۀ فلایحلّ الوطئ عند حصول الغایۀ حتّی یحصل  الشرط کما سنذکر شرح ذلک و من هنا جاء اختلاف الفقهاء و هذا هو الباعث لذکر هذه الأبحاث حول الآیۀ.
يَطْهُرْ :أی یحصل لهنّ الطُهر و هو النقاء من القذارۀ أی الحیض، و حصول الطُهر مساوٍ لانقطاع الدم. یقال: طهُرت المرأۀ من الحیض فهی طاهرۀ بلحاق التاء لانّ الوصف هنا جارٍ علی الفعل أی حدثت لها الطهارۀ بعد الحیض و أمّا إذا لم یُرد إجراء الوصف أی لم یکن المراد حدوث الطهارۀ فیقال: إمرأۀ طاهر، بدون التاء، أی غیرطامث، کما یقال: حاضت المرأۀ فهی حائضۀ، إذا حدث لها الحیض و فی غیرالإجراء یقال: إمرأۀ حائض، أی ذات حیض ألآن ثابت لها هذا الوصف، و قدسها إبن خالویه رحمه الله مع إمامته فی کتاب الحجّۀ فقال: قال العرب: طهرت المرأۀ من الحیض فهی طاهر) .الحجّۀ فی القراءات السبع/43) فلم یُلحق التاء بالوصف مع إجرائه إیّاه علی الفعل.
إِذَا: من أدوات الشرط الواجب، أی یجب أن یکون شرطها ممّا یجب حصوله کقولک : إذا طلعت الشمس کان کذا، و لایجوز: إن طلعت الشمس، لأنّ لفظۀ إن موضوعۀ للشرط المحتمل وطلوع الشمس قطعیّ. فمتی استعملت إذا فی کلام فصیح کالقرآن یفهم منها أنّ شرطها وجب أن یحصل و إن کان زمان حصوله مبهماً، و لأجل ذلک قال الله تبارک وتعالی: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ﴿المائدة، 6﴾لمّا کان حصول الصلوۀ فی الخارج أمراً واجباً، أی وجب علی المؤمنین إقامۀ الصلوۀ، و کذا فیما نحن فیه لمّا قال الله تعالی :فَإِذَا تَطَهَّرْنَ، فُهم منه أنّ الإغتسال واجب بعد انقطاع الدم.
تَطَهَّرْنَ: التطهّر هنا مطاوعۀ التطهیر فی قوله تعالی: و َيُنَزِّلُ عَلَيْکُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَکُمْ بِهِ﴿الأنفال‏، 11﴾فیفهم منه أنّ أصل التطهّر هو الماء و التیمّم فرع علیه. و التطهّر إسم للإغتسال أعنی حقیقۀ شرعیّۀ فی الإغتسال بدلیل قوله تعالی: وَ إِنْ کُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴿المائدة، 6﴾أی إغتسلوا کما قال تعالی: وَ لاَجُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴿النساء، 43﴾و بهذا یردّ علی صاحب المدارک حیث قال: نمنع إرادۀ الغُسل من التطهّر لأنّه یتوقّف علی ثبوت وضعه له شرعاً و هو ممنوع )مدارک الأحکام/ج/1 338) انتهی و سیجیئ مزید البحث فیه.
 
البحث الثانی فی المعانی الترکیبیّۀ فی الآیۀ:
                        
وَ لاَتَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ: عطف علی: فَاعْتَزِلُوا، و تکرار النهی یدلّ علی غلظۀ التحریم، و یؤکّده قوله تعالی فی آخر الآیۀ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ، و حَتَّى تدلّ علی انتهاء النهی عن القرب عند انقطاع الدم، و لکنّ الغایۀ هنا کما قلنا سابقاً مشروطۀ فلایحلّ الوطئ حتّی یحصل التطهّر و هو مطلوب للمولی کما قال تعالی فی آخر الآیۀ: وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‌، و من أجاز الوطئ عند انقطاع الدم قبل الغُسل جعل الشرط لغواً و هو ممنوع. إن قلت: لعلّک ممّن یقرأ الآیۀ بالتشدید أو یجعل یطهُرن بمعنی تطَهّرن، کما احتمله ابوعلی الفارسیّ فی الحجّة (الحجّۀ للقرّاء السبعۀ/ج2/322) و هذا إخراج للفظ من موضوعه؟ قلت: بل أنا ممّن أوجب قراءۀ التخفیف فی يَطْهُرْنَ صوناً عن التکرار و تأسیساً لمعنیً جدید و ذلک أنّ قوله تعالی: حَتَّى يَطْهُرْنَ یدلّ علی أنّ التحریم منتهیً به عند انقطاع الدم ثمّ بعده یصحّ الغُسل و لذا قال بعده: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ، فعطفه بالفاء المفیدۀ للتسبیب و التفریع، أی الغُسل فرع علی انقطاع الدم، و لولا ذلک لم یعلم بطلان الغُسل قبله و کذا قراءۀ التشدید لایدلّ علی ذلک لانّ معناه: لاتقربوهنّ حتّی یغتسلن، فیجوز أن یظنّ ظانّ أنّهنّ فی زمن الحیض لواغتسلن حلّ وطؤهنّ، مع أنّ الغُسل باطل. و بهذا یعلم ضعف قول من رجّح قراءۀ التشدید کما حکی ابن منظور عن ابی العبّاس المبرّد ) لسان العرب/ مادۀ: طهر( و کما قال الفرّاء. (معانی القرآن/ج1/143)
و قال ابن رشد: إنّ الطُهر فی کلام العرب وعرف الشرع إسم مشترک لانقطاع الدم و غَسل الفرج و الغُسل، ثمّ قال: و یجب علی من فهم من لفظ الطُهر فی قوله تعالی: حَتَّى يَطْهُرْنَ معنیً واحداً من هذه المعانی الثلاثۀ أن یفهم ذلک المعنی بعینه من قوله تعالی: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ لیطابق کلام العرب إذ لوفهم من: حَتَّى يَطْهُرْنَ إنقطاع الدم و من: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ الغُسل کان کمن قال: لاتعط فلاناً درهماً حتّی یدخل الدار فإذا دخل المسجد فأعطه درهماً، و هذا لیس من عادۀ العرب بل المعروف من کلامهم أن یقال: فإذا دخل الدار فأعطه درهماً، لانّ الجملۀ الثانیۀ مؤکّدۀ لمفهوم الجملۀ الأولی. انتهی)بدایۀ المجتهد/42)
و فی کلامه نظر من وجهین: الأوّل: قوله: الطُهر مشترک لثلاثۀ معانٍ، فإنّ الطُهر و هو الطهارۀ فی لغۀ العرب هو النزاهۀ عمّا تنفره الطباع کالأدناس و الأقذار و فی الشرع عبارۀ عن النزاهۀ عمّا یمنع من صحّۀ الصلوۀ کالأقذار نحو البول و الغائط و الأحداث نحو الجنابۀ و النوم فهی أعمّ ممّا فی اللغۀ و لمّا اختلفت المعانی اختلفت الصیغ فوضع للنزاهۀ عن حدث الحیض طَهُر، فیقال: طهُرت المرأۀ إذا انقطع دمها، و وضع للإغتسال تطهّر کما قال تعالی وَ إِنْ کُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴿المائدة، 6﴾أی إغتسلوا کما صرح به تعالی فی: وَ لاَجُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴿النساء، 43﴾و وضع للنزاهۀ عن الأقذار طهّر من التطهیرکما قال تعالی: وَ ثِيَابَکَ فَطَهِّرْ﴿المدثر، 4﴾فلمّا اختلفت الصیغ لاختلاف المعانی وجب أن یحمل کلّ واحدۀ من الصیغ علی معناها الخاصّ فاستلزام ابن رشد هنا ممنوع.
و الثانی من وجهی النظر فی کلامه، قوله: من فرّق بین: يَطْهُرْنَ و تَطَهَّرْنَ کان کمن قال: لاتعط فلاناً درهماً حتّی یدخل الدار فإذا دخل المسجد فأعطه درهماً، فإنّ ما قاله إمّا جهل منه أو مغالطۀ، إذ لامناسبۀ بین الدار و المسجد بخلاف مانحن فیه فإنّک لوقلت: لاتعط فلاناً درهماً حتّی یدخل الدار فإذا دخل البیت فأعطه درهماً، کان کلاماً صحیحاً مستقیماً، لأنّ دخول البیت فرع علی دخول الدار و لایحصل إلاّ حیث حصل دخول الدار، و الآیۀ نظیر المثال أی لایحصل الإغتسال بمعنی رفع الحدث و إباحۀ الصلوۀ إلاّ حیث حصل انقطاع الدم. و ممّن قال بتحریم الوطئ قبل الإغتسال الصدوق رحمه الله قال علی ماحکی عنه العلاّمۀ رحمه الله فی المختلف: لایجوز الوطئ حتّی تغتسل فإن غلبته الشهوۀ أمرها بغسل فرجها. (المختلف/ج/1/350) انتهی و استثنی غلبۀ الشهوۀ تعبّداً لمتن الحدیث مثل قوله علیه السلام: إن أصاب زوجها شبق فلتغسل فرجها ثمّ یمسّها إن شاء قبل أن تغتسل. (منتهی المطلب/ج/2/396)
 
البحث الثالث فی ذکر ادلّۀ المخالفین و هی من الکتاب و السنّۀ:
 
إلی هنا ثبت أنّ الوطئ لایحلّ إلاّ بعد الإغتسال فلنذکر الآن أدلّة القائلین بالحلّ عند انقطاع الدم و قبل الإغتسال و نذکر بعد کلّ واحد من الأدلّة ما هو صحّ عندی من الجواب.
فالکتاب: قوله تعالی: وَ لاَتَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ،
قال الشیخ رحمه الله: فعلّق حظر الوطئ بزمان الحیض إلی زمان حصول الطُهر و لم یفصّل و هذه قدطهرت فیجب أن یستباح وطؤها إلاّ ما أخرجه الدلیل من وجوب غَسل الفرج.
و الجواب: أنّا لانسلّم عدم التفصیل بل الغایۀ مشروطۀ کما أنّها أیضاً مشروطۀ فی قوله تعالی: وَ ابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّکَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴿النساء، (6فإنّ أحداً لایشکّ فی أنّ دفع أموالهم لایجوز إلاّ حیث حصل شرطان : بلوغ النکاح و إیناس الرشد، و مانحن فیه أیضاً کذلک لایجوز الوطئ إلاّ حیث حصل شرطان: انقطاع الدم و الإغتسال. و هذا واضح لمن له علم بتراکیب کلام العرب کما صرّح به الزمخشریّ فی الکشّاف کماسیأتی.
ثمّ قال الشیخ: و لاینافی ذلک قوله تعالی: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ، فإنّ المراد به الإغتسال، من وجوهٍ: أحدها: أن یکون هذا کلاماً مستأنفاً و لایکون شرطاً و لاغایۀً لزمان الحظر.
و الجواب: أنّ الشرط هنا لوکان مستأنفاً لکان فی الکلام التناقض الّذی یفرّون منه، و لم یقدروا علی تأویله لأنّه حینئذٍ یکون غیر مرتبط بما قبله، و التطهّر کما قلنا سابقاً حقیقۀ شرعیّۀ للإغتسال.
و أجاب عن هذا الدلیل الشیخ زین الدین الشهید الثانی رحمه الله فی شرح الإرشاد بأنّ الحجّۀ لیست فی کونه معطوفاً علی ما قبله حتّی یدفعه الحمل علی الإستیناف بل فی تصدیره بأداۀ الشرط الدالّۀ علی اشتراط الإتیان بالتطهّر .(روض الجنان/79 ) انتهی و أنت إذا تأمّلت أدنی تأمّل فی هذا الجواب علمت أنّه لایردّ استدلالهم، لأنّ الشرط هنا إذا جعل مستأنفاً انقطع ارتباطه عمّا قبله فلایقدح فیه.
و الثانی: أن یکون تَطَهَّرْنَ بمعنی طَهَرن لأنّ تَفَعّل یجیئ بمعنی فَعَل، یقال: تطعّمت الطعام وطعمته بمعنی واحد.
أقول: و هذا التأویل محکیّ عن البخاریّ. (البرزنجی، عبداللطیف-التعادل والترجیح/ج(273/1 و الشیخ أخذه منه.
و الجواب :أن ّباب التفعّل للمطاوعۀ دائماً کما یظهر من کلام المحقّق الأسترآبادیّ رحمه الله لمن تأمّل فیه )شرح الشافیۀ/ج/1/104) و معنی المطاوعۀ هو القبول و الإنقیاد فالمتفعّل تابع ومُنقاد لغیره فعلی هذا لایصحّ معنی فَعَل منه إلاّ من هذه الجهۀ، فالمتطهّرۀ و إن قلنا إنّها ذات طهارۀ إلاّ أنّها فی الأصل اکتسبت الطهارۀ فمعنی المتطهرۀ و الطاهرۀ مختلف، فلایصحّ أن یقال: إنّ التطهّر هنا للصیرورۀ أی فإذا صرن طاهرات فأتوهنّ، و هذا المعنی موافق لقوله تعالی: حَتَّى يَطْهُرْنَ، فدلّتا علی انتهاء الحرمۀ عند انقطاع الدم فلاتنافی، لأنّا نقول: التقدیر: فإذا طهّرهُنّ الله فتطهّرنَ فأتوهنّ، و تطهیر الله تعالی لهنّ ما فی قوله: و َيُنَزِّلُ عَلَيْکُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَکُمْ بِهِ ﴿الأنفال‏،(11، وقوله: وَ إِنْ کُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ﴿المائدة،(6  فالمطاوعۀ هنا هو الإمتثال لأمرالله تعالی. و هذا من دقائق العربیّۀ.
و أجاب الشیخ زین الدین الشهید الثانی رحمه الله بأنّ کثرۀ المبانی تدلّ علی کثرۀ المعانی و هذا هو الکثیر الشائع و ما وقع من اتّفاق صیغتین معنیً نادر لایوجب المصیر الیه و ترک الأکثر من حمل کلّ صیغۀ علی معناها الخاصّ. (روض الجنان/79) انتهی مع تصرّف فی عبارته.
و الثالث :أن یحمل ذلک علی غَسل الفرج و أیضاً علیه إجماع الفرقۀ. (کتاب الخلاف /ج1/229)
و الجواب: أنّ للطهارۀ وضعاً فی لغۀ العرب و وضعاً فی الشرع، ففی لغۀ العرب معناها النزاهۀ عن الأدناس و هی تشمل غَسل الفرج عن دنس الحیض و معناها فی الشرع النزاهۀ عمّا یمنع من صحّۀ الصلوۀ کالأقذار نحو البول و الغائط و الأحداث نحو الجنابۀ و الحیض و النوم، و استعملت فی القرآن لکلّ من تلک المعانی بصیغۀ خاصّۀ فللنزاهۀ عن الأقذار بصیغۀ التطهیر نحو قوله تعالی :وَ ثِيَابَکَ فَطَهِّرْ﴿المدثر، (4و للنزاهۀ عن الأحداث أی الإغتسال منها بصیغۀ التفعّل نحو قوله تعالی: وَ إِنْ کُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ﴿المائدة، (6 و قوله: وَ لاَجُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ﴿النساء،(43 و الحیض محمول علی الجنابۀ فی الأحکام، و للنزاهۀ عن دنس الحیض بصیغۀ فَعَل قالت العرب: طهرت المرأۀ إذا انقطع دمها و علیه قال تعالی: حَتَّى يَطْهُرْنَ، فعلی هذا وجب حمل اللفظ بصیغته علی معناها الخاصّ بها. فلایجوز حمل تَطَهَّرْنَ علی غَسل الفرج لأنّه خروج ممّا وضع له اللفظ و ذلک لایجوز حتّی یحصل مایوجب الإخراج و هو هنا مفقود لأنّ معنی الکلام مستقیم.
و أجاب الشیخ زین الدین الشهید الثانی رحمه الله فی شرح الإرشاد بأنّ هذا الحمل مخالف لمدلول الطهارۀشرعاً و عرفاً )روض الجنان/80) انتهی و فی هذا الجواب نظر یظهر ممّا ذکرناه.
و الجواب عن ادّعاء الإجماع :أنّ الصدوق رحمه الله خارج عن الإجماع الّذی ادّعاه علی أنّا کما لانعلم له موافقاً، لانعلم أیضاً انتفاء الموافق و هذا القدر کافٍ فی عدم انعقاد الإجماع علی خلافه. و بمثله استدلّ المحقّق رحمه الله علی الشیخ فی مسألۀ کفّارۀ وطئ الحائض حیث نقل عنه و عن المرتضی ادّعاء الإجماع علی وجوب الکفّارۀ فقال ردّاً لما ادّعیا من الإجماع: فلانعلمه فکیف یتحقّق الإجماع فیما یتحقّق فیه الخلاف، و لوقالا :المخالف معلوم، قلنا: لانعلم أنّه لامخالف غیره و مع الإحتمال لایبقی وثوق بأنّ الحقّ فی خلافه).المعتبر/ج1/230) انتهی
و استدلّ المحقّق الحلّی رحمه الله علی الجواز بأنّ: مقتضی الدلیل الحلّ فیجب التمسّک به، أمّا أنّ مقتضی الدلیل الحلّ فلوجهین، أحدهما قوله تعالی: وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ‌، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَکَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ‌ ﴿المؤمنون‏،6 (5-و أمّا ثانیاً فلقوله تعالی: يَسْأَلُونَکَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ، و المنع متعلّق به فمع زواله یثبت الحلّ، و قوله تعالی: وَ لاَتَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، علی قراءۀ التخفیف و هو یدلّ علی أنّ الغایۀ انقطاع الدم، یقال: طهرت المرأۀ إذا انقطع حیضها و لوقیل: و قد قرئ بالتضعیف فی: يَطْهُرْنَ، قلنا: فیجب أن یحمل علی الإستحباب توفیقاً بین القراءتین و دفعاً للتنافی، و لایقال: و یلزم من قوله تعالی: فَإِذَاتَطَهَّرْنَ، اشتراط التطهّر و هو الغُسل فیکون إباحۀ الوطئ حینئذٍ مشروطۀ بالشرطین :انقطاع الدم و الغُسل، لأنّا نمنع أن یکون المراد بالتطهّر الغُسل بل ما المانع أن یراد بتطهّرن طهرن، کما یقال : قطعت الحبل فتقطّع و کسرت الکوز فتکسّر، و لو قیل : المرأۀ یصحّ أن تغتسل فیحمل علی إرادۀ فعلها بخلاف الحبل و الکوز، قلنا :قدیستعمل فی من یصحّ ذلک منه و یکون المراد ما قلناه کما یقال فی أسماء الله سبحانه: المتکبّر، و لوقیل: المراد فعل الطهارۀ لدلالۀ آخر الآیۀ و هو قوله تعالی : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ و َيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‌، قلنا: هو کلام مستأنف فلاتعلّق له بالاوّل. (المعتبر/235-236) انتهی
و الجواب : أنّ ما قلتم ینعکس علیکم بأنّکم جعلتم التطهّر بمعنی الطُهر و نحن نجعل الطُهر فی حَتَّى يَطْهُرْنَ بمعنی التطهّر مع أنّه قد قرئ بالتضعیف أیضاً و لم یُقرأ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ بالتخفیف قطّ فإذا احتمل التقدیران کان تقدیرنا أولی مع أنّه لاقرینۀ علی الإستحباب حینئذٍ.
و أجاب الشیخ زین الدین الشهید الثانی رحمه الله بأنّ الحمل علی الإستحباب عدول عن الحقیقۀ و الظاهر فإنّ صدر الآیۀ النهی عن القرب المغیّی بالطهارۀ و النهی دالّ علی التحریم فکیف یعلّق علی الإستحباب . (روض الجنان(80/ انتهی
و لقائل أن یقول :إنّ قراءۀ التخفیف تدلّ علی الحلّ عند انقطاع الدم فهی تسوّغ حمل قراءۀ التشدید علی الإستحباب لتوافق القراءتان.
و استدلّ العلاّمۀ رحمه الله لذلک بقوله تعالی أیضاً: وَ لاَتَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، بالتخفیف، أی حتّی یخرجن من الحیض فیجب القول بالإباحۀ بعد هذه الغایۀ.
و الجواب: أنّ الغایۀ هنا مشروطۀ کما قلنا فالحلّ معلّق علی حصول الشرط.
و أیضاً قوله تعالی: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ، و المنع متعلّق به فمع زواله یثبت الحلّ لأنّ الأصل الإباحۀ و لأنّ وجوب الغسل لایمنع الوطئ کالجنابۀ. (منتهی المطلب/ج395/2)
و الجواب :أنّ قوله :لأنّ الأصل الإباحۀ، قلنا : نسلّم ذلک لکنّ الأصل هنا قد زال بسبب النهی و عند الشکّ فی الحلّیۀ نستصحب الحرمۀ.
و قوله: لأنّ وجوب الغُسل لایمنع الوطئ کالجنابۀ، قلنا: تشبیهه ممنوع فإنّ الوطئ فی زمن الحیض منهیّ عنه بخلاف الجنابۀ حیث لم یرد نهی فیها.
و قال فی المختلف: خصّ النهی فی قوله تعالی : فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ بوقت الحیض أوموضع الحیض و إنّما یکون موضعاً له مع وجوده و التقدیر عدمه فینتفی التحریم. (مختلفالشیعۀ/ج/1350/) ثمّ اجاب عن القائلین بالتحریم، بالمنع من إرادۀ فعل الطهارۀ من التطهّر فی قوله تعالی :فَإِذَا تَطَهَّرْنَ، قال: فإنّ لقائل أن یقول: یحتمل أن یرید :فإذا طهرن، لأنّ تفعّل یجیئ بمعنی فعل، فیقال: تطعّمت الطعام و طعمته بمعنی واحد، سلّمنا لکنّه مستأنف فلایکون شرطاً و لاغایۀً لزمان الحظر، سلّمنا لکنّ المراد به غَسل الفرج. )المصدر السابق(351/
و الجواب: قوله: و إنّما یکون موضعاً له مع وجوده و التقدیر عدمه فینتفی التحریم، قلنا :لمّا کانت الغایۀ هنا مشروطۀ حصل الحلّ بحصول شیئین: انقطاع الدم و الإغتسال عملاً بمقتضی الغایۀ و الشرط و حذراً من إلغاء أحدهما.
و قوله :لأنّ تفعّل یجیئ بمعنی فعل، قلنا: قدذکرنا فساد هذا التأویل فیماقبل.
و قوله: لکنّه مستأنف، قلنا: قدذکرنا سابقاً ما فی هذا التأویل من حصول التناقض الّذی یفرّون منه.
و قوله: لکنّ المراد به غَسل الفرج، قلنا: فی هذا التأویل إخراجاً للفظ من موضوعه کما قلنا سابقاً.
و قال المحقّق الأردبیلیّ رحمه الله :أمّا الغایۀ فقراءۀ التخفیف تدلّ علی أنّها انقطاع الدم کما هو مذهب أکثر الأصحاب و یدلّ علیه بعض الروایات و الجمع بین الروایات و القراءات إذ تحمل قراءۀ التشدید و بعض الروایات الاُخر علی عدم الرجحان المطلق الی حین الغُسل التحریم قبل الإنقطاع و الکراهیّۀ بعده إلی حین الغُسل و قراءۀ التشدید تدلّ علی أنّها إمّا الغُسل أو الوضوء أوغَسل الفرج بعد الإنقطاع.
و الجواب : أنّا قلنا سابقاً إنّ الغایۀ هنا مشروطۀ کما فی قوله تعالی: وَ ابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّکَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴿النساء،(6 فدفع الأموال منوط بحصول شیئین بلوغ النکاح و إیناس الرشد و لایجوز إلغاء أحدهما و کذا القول فیما نحن فیه، حصول جواز الوطئ منوط بحصول شیئین انقطاع الدم و الإغتسال و لایجوز إلغاء أحدهما، و الّذی اضطرّ الفقهاءَ إلی إلغاء الشرط أو التأویل وجود أخبار آحادٍ مخالفۀ للکتاب و العجب منهم أنّهم طرحوا ما هو موافق للکتاب من الأخبار و أخذوا ما هو مخالف له فتکلّفوا التأویلات مع أنّ أوّل من قرأ حَتَّى يَطْهُرْنَ بالتشدید و هو ابن مسعود رحمه الله إنّما قرأ علی اعتقاده بوجوب الغُسل علی ما فهم کلّ عرب من ظاهر القرآن، و إنّما قلنا ذلک عنه لأنّ قراءته کانت قبل وجود هذه الأخبار .و الله تعالی هو العالم.
و قوله :و قراءۀ التشدید تدلّ علی أنّها إمّا الغُسل أو الوضوء أو غَسل الفرج بعد الإنقطاع، قلنا : قد قلنا سابقاً إنّ التطهّر موضوع فی الشرع للإغتسال فقط فلامعنی لجعله مشترکاً بین الثلاثۀ و متردّداً فیها لیکون مجملاً.
ثمّ قال :و الأوّل (یعنی القول بالتحریم) مذهب الشافعیّ و منسوب إلی بعض الأصحاب و هو إبن بابویه و الظاهر أنّه لیس کذلک و لابدّ له من حمل قراءۀ التخفیف أیضاً علی الغُسل للجمع بین القراءتین حتّی یصحّ هذا.
و الجواب : أنّهم إنّما تکلّفوا الحمل و التأویل لزعمهم أنّ بین قوله تعالی: يَطْهُرْنَ و قوله تعالی: تَطَهَّرْنَ تنافیاً و لم یعلموا أنّ الغایۀ قدتکون مشروطۀ کما هنا و أیضاً لوحملت قراءۀ التخفیف علی الغُسل لدلّ الکلام علی جواز الوطئ حین الحیض إذا اغتسلت المرأۀ مع أنّ غُسلها باطل، فدلّ الکلام مع قراءۀ التخفیف علی أنّ الوطئ إنّما یصحّ إذا حصل الإغتسال و الإغتسال إنّما یصحّ عند انقطاع الدم. و هذا واضح لاإبهام فیه و إنّما جاء الإبهام من قبل أخبار الآحاد بحیث قال الشیخ یوسف البحرانیّ رحمه الله: و کیف کان فالإستناد إلی الآیۀ المذکورۀ ممّا لایخلو من شوب الإشکال لما عرفت من تعدّد الإحتمال فلم یبق إلاّ الرجوع إلی الأخبار. (الحدائق الناضرۀ/ج/۳/۲۴۶) انتهی و أنت قدعلمت أن لاإشکال فی الآیۀ و إنّما جاء الإشکال من قبل الأخبار المخالف مضمونها لمضمون القرآن.
ثمّ انتقد قول الزمخشریّ فی الکشّاف: و ذهب الشافعیّ إلی أنّه لایقربها حتّی تطهر و تطّهر فتجمع بین الأمرین و هو قول واضح و یعضده قوله تعالی : فَإِذَا تَطَهَّرْنَ. (الکشّاف/ج/1/(266 بأنّ الزمخشریّ کأنّه یرید ذلک (یعنی حمل قراءۀ التخفیف علی الغُسل للجمع بین القراءتین) و إلاّ فغیر واضح إذ بین غایۀ التخفیف و التشدید منافاۀ و لایمکن الجمع إلاّ علی ما قلنا. (زبدۀالبیان/(34 والجواب : أنّه رحمه الله إنّما زعم أنّ بین القراءتین منافاۀً لغفلته أنّ الغایۀ هنامشروطۀ فتکلّف لدفع التنافی بهذه التأویلات مع اعتماده علی أخبار الآحاد، و إلاّ کما قال الزمخشریّ معنی الآیۀ واضحۀ لاخفاء و لا إجمال فیه.
علی أنّا نقول: المنافاۀ الّتی زعمها إنّما هی بین مفهوم الغایۀ علی قراءۀ التخفیف و منطوق قراءۀ التشدید و المنطوق أقوی من المفهوم فکان الترجیح مع ما دلّ علی الإغتسال و هو قراءۀ التشدید و یؤیده مفهوم الشرط فی قوله تعالی :فَإِذَاتَطَهَّرْنَ.
و قال السیّد محمّد العاملیّ رحمه الله : لنا أصالۀ الإباحۀ و قوله تعالی: وَ لاَتَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، بالتخفیف کما قرأبه السبعۀ أی یخرجن من الحیض، یقال: طهرت المرأۀ إذا انقطع حیضها، جعل سبحانه و تعالی غایۀ التحریم انقطاع الدم فیثبت الحلّ بعده عملاً بمفهوم الغایۀ لأنّ الحقّ أنّه حجّۀ بل صرّح الأصولیّون بأنّه أقوی من مفهوم الشرط. و لاینافی ذلک قراءۀ التشدید أمّا أوّلاً فلأنّ تفعّل قدجاء فی کلامهم بمعنی فعل کقولهم: تبیّن و تبسّم و تطعّم بمعنی :بان و بسم و طعم، قیل: و من هذا الباب المتکبّر فی أسماء الله تعالی بمعنی الکبیر . و إذا ثبت إطلاق هذه البِنیۀ علی هذا المعنی کان الحمل علیه أولی صوناً للقراءتین عن التنافی. و أمّا ثانیاً فلإمکان حمل النهی فی هذه القراءۀ علی الکراهۀ توفیقاً بین القراءتین و یکون المنهیّ عنه المباشرۀ بعد انقطاع الدم لسبق العلم بتحریمها حالۀ الحیض من صدر الآیۀ أعنی قوله تعالی : فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ثمّ قال  : و لایعارض بمفهوم قوله تعالی: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ، حیث شرط فی إباحۀ الوطئ التطهّر الّذی هو الغُسل لأنّا نقول: مفهومه انتفاء رجحان الوطئ مع عدم التطهّر و هو أعمّ من التحریم، سلّمنا أنّ الأمر هنا للإباحۀ لکنّا نمنع ارادۀ الغُسل من التطهّر لانّه یتوقّف علی ثبوت وضعه له شرعاً و هو ممنوع بل یتعیّن حمله علی الطُهر لوروده بمعناه لغۀً کما تقدّم او علی المعنی اللغویّ المتحقّق بغَسل الفرج خاصّۀً، سلّمنا أنّ المراد بالتطهّر الغُسل لکن نقول: مفهومان تعارضا فإن لم یرجّح أقواهما تساقطا و یبقی حکم الأصل سالماً من المعارض).مدارک الاحکام/ج1/ 337-338) انتهی
و الجواب :قوله :لنا أصالۀ الإباحۀ، قلنا: الأصل قد زال بدلیل النهی و عند الشکّ وجب استصحاب الحرمۀ.
و قوله: جعل سبحانه و تعالی غایۀ التحریم انقطاع الدم فیثبت الحلّ بعده عملاً بمفهوم الغایۀ، قلنا : الغایۀ هنا مشروطۀ فلایحلّ الوطئ حتّی یحصل الشرط عملاً لمقتضاه.
و قوله: لأنّ تفعّل قدجاء فی کلامهم بمعنی فعل، قلنا: قدسبق غیرمرّۀ بطلان هذا الکلام، علی أنّ الکلام معه یکون تکراراً و التکرار لایلیق بکلام البلغاء من الناس فضلاً عن کلام العلیم الحکیم تبارک و تعالی.
و قوله: صوناً للقراءتین عن التنافی، قلنا: التنافی بینهما بعد تسلیمه إنّما یکون بین مفهوم قراءۀ التخفیف و بین منطوق قراءۀ التشدید، و عند ذلک یرجّح المنطوق لأنّه أقوی فکانت هذه القراءۀ موافقۀ لمنطوق الشرط فی قوله تعالی :فَإِذَاتَطَهَّرْنَ.
و قوله: و یکون المنهیّ عنه المباشرۀ بعد انقطاع الدم، قلنا: مراده: و یکون المکروه المباشرۀ بعد انقطاع الدم، لأنّه حمل النهی فی قوله تعالی :وَ لاَتَقْرَبُوهُنَّ، علی الکراهۀ.
و قوله :نمنع إرادۀ الغُسل من التطهّر لأنّه یتوقّف علی ثبوت وضعه له شرعاً و هو ممنوع، قلنا : قد ذکرنا سابقاً غیرمرّۀ أنّ التطهّر حقیقۀ شرعیّۀ للإغتسال و دلیله قوله تعالی: وَ إِنْ کُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ﴿المائدة،6﴾ و قوله تعالی: وَ لاَجُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ﴿النساء،43﴾ هذه الآیۀ تفسیر لما فی المائدۀ.
و قوله :بل یتعیّن حمله علی الطُهر، قلنا :مراده انقطاع الدم، کمایقال: طهرت المرأۀ إذا انقطع دمها.
و قوله: أو علی المعنی اللغوی المتحقّق بغَسل الفرج خاصّۀً، قلنا: إذا ثبت وضعه فی الشرع وجب حمله علی المعنی الشرعیّ، فإنّه مقدّم علی الوضع اللغویّ.
و قوله :لکن نقول: مفهومان تعارضا، قلنا : قد ذکرنا سابقاً أن لاتعارض بین مفهوم الغایۀ من قوله تعالی:حَتَّى يَطْهُرْنَ و بین مفهوم الشرط من قوله تعالی: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ. کما أنّه لاتنافی بین المفهومین فی قوله تعالی : و َابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّکَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴿النساء،6﴾ إِذَا بعد حَتَّى هنا زمانیّۀ غیرشرطیّۀ أی حتّی وقت بلوغ النکاح.
و قال الشیخ بهاءالدین العاملی رحمه الله : و قد استنبط بعض المتأخّرین من الآیۀ أنّ المحیض من الأحداث الموجبۀ للغُسل لإطلاق الطهارۀ المتعلّقۀ به .ثمّ أجاب بأنّ الآیۀ غیردالّۀ علی الأمر بالغُسل بشئ من الدلالات. (مشرق الشمسین(246-247/
و جوابه :أنّ التطهّر الّذی فی قوله تعالی :فَإِذَا تَطَهَّرْنَ یدلّ علی الغُسل بالمطابقۀ کما قلنا سابقاً.
 
و أمّا الأحادیث :
 
فقد استدلّ الفریقان لماذهبوا إلیه من الحرمۀ و الإباحۀ بعدّۀ من الأحادیث أیضاً، فالقائلون بالحرمۀ تمسّکوا بأحادیث:
منها: ما روی عن أبی بصیر رحمه الله عن أبی عبدالله علیه السلام قال: سألته عن إمرأۀ کانت طامثاً فرأت الطُهر أیقع علیها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال: لا، حتّی تغتسل. قال : و سألته عن إمرأۀ حاضت فی السفر ثمّ طهرت فلم تجد ماءً یوماً أو إثنین، أیحلّ لزوجها أن یجامعها قبل أن تغتسل؟ قال :لایصلح حتّی تغتسل. (الإستبصار/ج1/ ص/136حدیث:(465
و منها: ما روی عن أبان بن عثمان عن عبدالرحمن قال: سألت أباعبدالله علیه السلام عن إمرأۀ حاضت ثمّ طهرت فی سفر فلم تجد الماء یومین أو ثلاثۀ هل لزوجها أن یقع علیها؟ قال: لایصلح لزوجها أن یقع علیها حتّی تغتسل. (الحدائق الناضرة/ج3/ص247)
و منها: ما روی عن سعیدبن یسار عن أبی عبدالله علیه السلام قال :قلت له : المرأۀ تحرم علیها الصلوۀ ثمّ تطهر فتتوضأ من غیر أن تغتسل، أفلزوجها أن یأتیها قبل أن تغتسل؟ قال :لا، حتّی تغتسل. (الاستبصار/ج1/ص136/حدیث:464)
و منها: ما روی عن أبی عبیدۀ قال : سألت أباعبدالله علیه السلام عن المرأۀ الحائض تری الطُهر فی السفر و لیس معها من الماء ما یکفیها لغُسلها و قدحضرت الصلوۀ؟ فقال : إذا کان معها بقدر ما تغسل به فرجها فتغسله ثمّ تتیمّم و تصلّی، قلت: فیأتیها زوجها فی تلک الحال؟ قال: نعم إذا غسلت فرجها و تیمّمت فلابأس. (الحدائق الناضرة/ج3/ص247)
و منها: ما روی عن عمّار الساباطیّ عن أبی عبدالله علیه السلام قال: سألته عن المرأۀ إذا تیمّمت من الحیض هل تحلّ لزوجها؟ قال: نعم. (الحدائق الناضرة/ج3/ص248)
فهذه الأحادیث تدلّ دلالۀً صریحۀً علی إباحۀ الوطئ بعد الغُسل و حرمته قبله موافقۀً لکتاب الله تبارک و تعالی، و لیست فی واحد منها قرینۀ تدلّ علی الکراهۀ و عدم التحریم.
و لکن فی مقابلها أحادیث أخر تدلّ علی جواز الوطئ قبل الغُسل،
فمنها: ما روی عن محمّدبن مسلم رحمهم االله تعالی عن الباقرعلیه السلام فی المرأۀ ینقطع عنها دم الحیض فی آخر أیّامها؟ قال: إذا أصاب زوجها شبق فلیأمرها فلتغسل فرجها ثمّ یمسّها إن شاء قبل أن تغتسل (الاستبصار/ج1/ص135/حدیث: 463).
أقول :الجواز فی هذا الحدیث مقیّد بالشبق فیضعف عن معارضۀ ما التحریم فیه مطلق.
و منها: ما روی عن علیّ بن یقطین عن أبی الحسن علیه السلام قال: سألته عن الحائض تری الطُهر أیقع علیها زوجها قبل أن تغتسل؟ قال :لابأس و بعد الغُسل أحبّ إلیّ. (المصدرالسابق/حدیث:468)
أقول: لقائل أن یقول: عدم البأس راجع إلی الکفّارۀ لا إلی الجواز المطلق فإنّ فی وجوب الکفّارۀ زمن الحیض خلافاً أشرنا إلیه فی کلام المحقّق رحمه الله عند الجواب عن ادّعاء الشیخ الإجماع علی جواز الوطئ قبل الغُسل.
و منها: ما روی عن عبدالله بن بکیرعن أبی عبدالله علیه السلام قال :إذا انقطع الدم و لم تغتسل فلیأتها زوجها إن شاء. (المصدرالسابق/حدیث:464)
و منها: ما روی عن عبدالله بن المغیرۀ عمّن سمعه عن العبد الصالح علیه السلام فی المرأۀ إذا طهرت من الحیض و لم تمسّ الماء فلایقع علیها زوجها حتّی تغتسل و إن فعل فلابأس به و قال :تمسّ الماء أحبّ إلیّ. (المصدرالسابق/حدیث:467)
أقول :قدیحمل عدم البأس فیه علی عدم الکفّارۀ کما تقدّم.
فقدحصل التعارض فی تلک الأخبار بین الحرمۀ و الإباحۀ و الخبر الدالّ علی الحرمۀ أقوی مع أنّه موافق للقرآن فوجب الحکم بمقتضاه و هو تحریم الوطئ قبل الغُسل، و قال الشیخ زین الدین الشهید الثانی رحمه الله فی شرح الإرشاد: إنّ ذلک إنّما یکون مع تکافؤ الأخبار و الحال أنّ أخبار الحظر أقوی و أکثر، یعلم ذلک من راجع فیه کتب الحدیث و الّذی استفید من ذلک کلّه قوّۀ ماذهب إلیه الصدوق رحمه الله لدلالۀ الآیۀ ظاهراً علیه و ورود الأخبار الصحیحۀ به و إن عارضها ما لایساویها.  (روض الجنان/(80 انتهی
علی أنّ الجمع بین الأحادیث بحمل النهی فیها علی الکراهۀ یوجب إلغاء الشرط فی الآیۀ أعنی قوله تعالی: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ، کما احتمله الشیخ فجعله مستأنفاً مع أنّه خلاف الإحتیاط .لایقال: إنّهم لم یُلغوا الشرط
بل حملوه علی الإستحباب، قلنا : الحمل علی الإستحباب إخراج للشرط من موضوعه، و ذلک أنّ أدوات الشرط إنّما وضعت لتعلیق حصول جوابها علی حصول شرطها فمعنی الشرط فی الآیۀ أنّ الإتیان لایجوز إلاّ إذا حصل الإغتسال و ممتنع حصوله عند فقدان الإغتسال و الإستحباب ینافی ذلک و قدجعلوا من مرجّحات الخبر أنّ العمل بأحدهما یوجب إلغاء جزء من النصّ و العمل بالآخر لایستلزم ذلک فکان العمل به راجحاً (البرزنجی، عبداللطیف–التعارض والترجیح بین الأدلّۀ الشرعیّۀ/ج1/ص222)
علی أنّ ما یدلّ علی حرمۀ شیئ إنّما یدلّ علی  مفسدۀ فیه و ما یدلّ علی الإباحۀ إنّما یدلّ علی مصلحۀ فی الشیئ و دفع المفسدۀ مقدّم علی جلب المفسدۀ.
و أیضاً حمل النهی علی التحریم أولی من الحمل علی الکراهۀ لأنّه أحوط و لأنّ مفسدۀ الحرمۀ أشدّ من مفسدۀ الکراهۀ و دفع الأشدّ مقدّم علی غیره.
و أیضاً الخبر الدالّ علی الجواز قبل الغُسل موافق للبراءۀ الأصلیّۀ کما یشعر به کلام العلاّمۀ رحمه الله فی المنتهی کما تقدّم و الخبر الموجب للإغتسال ناقل عنها فهو مقدّم لأنّه مفید فائدۀً جدیدۀً أعنی حکماً شرعیّاً جدیداً بخلاف معارضه لأنّ البراءۀ الأصلیّۀ تعلم بالعقل فلایحتاج إلی الخبر المقرّر لها. قال القرافیّ فیما حکی عنه عبدالطیف البرزنجیّ : الخبر الناقل عن البراءۀ الأصلیّۀ أرجح لأنّه مقصود بعثۀ الرسول و أمّا استصحاب حکم العقل فیکفی فیه حکم العقل فیقدّم المنشئ علی المؤکّد. (التعادل و الترجیح / ج2/ ص225)
 
فلنختم الکلام حامداً لله مصلیّاً علی رسوله وآله الأطهار.
 
 
 
 
محصّل البحث:
                                                                                                                     
استدلّ الفقهاء بآیۀ المحیض لجواز وطئ الحائض بعد انقطاع الدم و قبل الاغتسال، و ذلک بأن جعلوا قوله تعالی: فإذا تطهّرن فأتوهنّ، کلاماً مستأنفاً عن قوله تعالی: حتّی یطهرن، أو بحمل: تطهّرن علی معنی: یطهرن بالتخفیف لدفع التناقض علی زعمهم بین الکلامین و استدلّوا أیضاً بعدّۀ من الاحادیث الدالّۀ علی الجواز و عدم البأس، و استدللنا علیهم لعدم الجواز بجعل الفاء فی: فإذا تطهّرن علی العطف و هو الأصل فأفاد الکلام أنّ الغایۀ مشروطۀ کما هی کذلک فی قوله تعالی: وابتلوا الیتامی حتّی إذا بلغوا النکاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا الیهم أموالهم، ثمّ منعنا أن یکون تطهّرن بمعنی یطهرن ثمّ حملنا عدم البأس فی الأحادیث علی عدم الکفّارۀ و بما أوّلنا وافقت الأحادیث الآیۀ.
 
فهرس المنابع :
 
1- القرآن الکریم.
2- إبن فارس، أحمد، مقاییس اللغۀ، انتشارات دفترتبلیغات، قم،1404ه.ق.
3- إبن منظور، محمّدبن مکرّم، لسان العرب، دارإحیاءالتراث العربیّ، بیروت،1413ه.ق.
4- إبن القوطیّۀ، محمّد، کتاب الأفعاال، دارالکتب العلمیّۀ، بیروت،1424ه.ق.
5- إبن القطّاع، علیّ بن جعفر، کتاب الأفعال، دارالکتب العلمیّۀ، بیروت،1424ه.ق.
6- إبن رشد، محمّدبن أحمد، بدایۀالمجتهد، دارالفکر، بیروت، بلاتاریخ.
7- إبن خالویه، حسین بن أحمد، الحجّۀ فی القراءات السبع، دارالکتب العلمیّۀ، بیروت،1420ه.ق.
8- أبوعلیّ الفارسیّ، الحسن بن عبدالغفّار، الحجّۀللقرّاءالسبعۀ، دارالمأمون للتراث، بیروت،1407ه.ق.
9- البحرانیّ، یوسف، الحدائق الناضرۀ، جامعۀالمدرّسین، قم،1414ه.ق.
10- البرزنجیّ، عبداللطیف، التعارض والترجیح بین الأدلّۀالشرعیّۀ، دارالکتب العلمیّۀ، بیروت،1413ه.ق.
11- الجصّاص، أبوبکر، أحکام القرآن، دار إحیاء التراث العربیّ، بیروت،1405ه.ق.
12- الراوندیّ، قطب الدین، فقه القرآن، المطبعۀ العلمیّۀ، قم،1397ه.ق.
13- الرضیّ، محمّدبن الحسن الأسترآبادیّ، شرح الشافیۀ، نشرأدب الحوزۀ، بلاتاریخ.
14- الزمخشریّ، جارالله محمود، الکشّاف، نشرأدب الحوزۀ، بلاتاریخ.
15- السیوریّ، مقدادبن أسود، کنزالعرفان، انتشارات مرتضویّ، تهران، پائیز1369ه.ش.
16- الشهید الثانی،زین الدین بن علیّ، روض الجنان، مؤسّسۀآل البیت لإحیاءالتراث، بلاتاریخ.
17- الطریحیّ، فخرالدین، مجمع البحرین، المکتبۀ المرتضویّۀ، تهران،1395ه.ق.
18- الطوسیّ، محمّدبن الحسن، کتاب الخلاف، جامعۀ المدرّسین، قم،1407ه.ق.
19- الطوسیّ، محمّدبن الحسن، الإستبصار، دارالتعارف للمطبوعات، بیروت،1412ه.ق.
20- العاملیّ، السیّد محمّد، مدارک الأحکام، مؤسّسۀآل البیت، مشهد،1410ه.ق.
21- العاملیّ، بهاءالدین، مشرق الشمسین، بنیاد پژوهشهای اسلامیّ، مشهد،1414ه.ق.
22- العلاّمۀالحلّی، الحسن بن یوسف، منتهی المطلب، بنیاد پژوهشهای اسلامیّ، مشهد،1413ه.ق.
23- العلاّمۀالحلّی، الحسن بن یوسف، مختلف الشیعۀ، جامعۀالمدرّسین، قم،1412ه.ق.
24- الفیّومی، أحمدبن محمّد، المصباح المنیر، دارالهجرۀ، قم،1405ه.ق.
25- المحقّق الحلّی، جعفربن سعید، المعتبر، مؤسّسۀ سیّدالشهداء،1364ه.ش.
26- المحقّق الأردبیلیّ، أحمدبن محمّد، زبدۀالبیان، المکتبۀ المرتضویّۀ، تهران،بلاتاریخ.